
يحكي جوزيف سميث عن خلفية أسرته والأماكن التي عاشوا فيها. انتشر حماس ديني قوي في غرب ولاية نيويورك. فقرّر أن يطلب الحكمة باتباع نصيحة يعقوب. فظهر الآب والابن، ودُعي جوزيف إلى عمله كنبي. (الآيات 1–20).
(1) بسبب انتشار تقارير كاذبة كثيرة من أشخاص غير أمناء وخبيثين عن نشأة وتقدّم كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، وهي تقارير تهدف إلى الإساءة إلى سمعة الكنيسة وعرقلة تقدّمها في العالم، شعرت بأنني مدفوع إلى كتابة هذه الرواية التاريخية. وهدفي هو تصحيح سوء الفهم العام، وتقديم بيان واضح للحقائق كما حدثت فعلاً، لكل من يطلب الحقيقة، سواء فيما يخصني أنا شخصيًا أو الكنيسة، بقدر ما هي معروفة لي.
(2) في هذه الرواية سأعرض بأمانة الأحداث المرتبطة بهذه الكنيسة كما وقعت، أو كما هي قائمة الآن. ونحن الآن في سنة 1838، وقد مضت ثماني سنوات منذ تنظيم الكنيسة.
(3) وُلِدتُ في 23 ديسمبر 1805 في بلدة شارون، مقاطعة ويندسور، ولاية فيرمونت. وعندما كنت في نحو العاشرة من عمري، انتقل والدي، جوزيف سميث الأب، من فيرمونت إلى بالميرا في مقاطعة أونتاريو، التي تُعرف الآن بمقاطعة واين، في ولاية نيويورك. وبعد نحو أربع سنوات، انتقل بأسرتنا مرة أخرى، وهذه المرة إلى مانشستر في المقاطعة نفسها
(4) كانت أسرتنا تتكوّن من أحد عشر شخصًا: والدي جوزيف سميث، ووالدتي لوسي سميث، واسمها قبل الزواج ماك، وهي ابنة سولومون ماك؛ وإخوتي ألفِن، الذي توفي في 19 نوفمبر 1823 عن عمر ستة وعشرين عامًا، وهيروم، وأنا، وصموئيل هاريسون، وويليام، ودون كارلوس؛ وأخواتي صوفرونيا، وكاثرين، ولوسي.
(5) بعد نحو سنتين من انتقالنا إلى مانشستر، حدث حماس ديني غير عادي في المنطقة التي كنا نعيش فيها. بدأ ذلك بين الميثوديين، ثم سرعان ما انتشر بين جميع الكنائس في تلك المنطقة. بدا وكأن المنطقة كلها قد تأثرت، فانضم كثير من الناس إلى جماعات دينية مختلفة. وأدّى هذا إلى اضطراب وانقسام كبيرين بين الناس. فكان بعضهم يقول: «هنا الحق»، ويقول آخرون: «بل هو هناك». وكان بعضهم يؤيّد الإيمان الميثودي، وبعضهم المشيخي، وبعضهم المعمداني.
(6) ومع أن الذين انضمّوا إلى هذه الكنائس أظهروا في البداية حماسًا كبيرًا، ومع أن الوعّاظ كانوا نشطين جدًا في تشجيع الجميع على التوبة والانضمام، وتركوا للناس حرية اختيار الكنيسة التي يريدونها، إلا أنّه سرعان ما تبيّن أن هذه المشاعر الطيبة لم تدم. فعندما بدأ المتحوّلون ينقسمون إلى جماعات مختلفة، اندلعت الخلافات. صار الواعظ يجادل واعظًا آخر، والمتحوّل يجادل متحوّلًا مثله، حتى ضاع أي شعور بالمودّة بينهم بسبب النزاعات المستمرة حول الألفاظ والآراء.
(7) في ذلك الوقت كنت في عامي الخامس عشر. وانضمّت أسرة والدي إلى الكنيسة المشيخية، ومنهم والدتي لوسي، وإخوتي هيروم وصموئيل هاريسون، وأختي صوفرونيا.
(8) وخلال هذه الفترة من الحماس الديني الشديد، كان ذهني مضطربًا جدًا وغير مطمئن. ومع أن مشاعري كانت قوية، فقد بقيت بعيدًا عن جميع هذه الكنائس، مع أنني كنت أحضر اجتماعاتها كلما استطعت. ومع مرور الوقت، شعرت بانجذابٍ ما نحو الكنيسة الميثودية وفكّرت في الانضمام إليها. لكن الارتباك والخلاف بين الكنائس المختلفة كانا كبيرين إلى درجة أن شخصًا في مثل صغر سني وقلة خبرتي لم يكن قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ.
(9) وفي بعض الأوقات كان ذهني ينهك من كثرة الضجيج والجدال المستمر. فقد كان المشيخيون يعارضون المعمدانيين والميثوديين بشدة، ويستخدمون كل أنواع الحجج والاستدلالات لإثبات خطئهم، أو على الأقل لإقناع الناس بأنهم على خطأ. وكان المعمدانيون والميثوديون بدورهم لا يقلّون إصرارًا على الدفاع عن معتقداتهم الخاصة ونقض معتقدات الآخرين.
(10) وفي وسط هذا الجدال والارتباك كله، كنت كثيرًا ما أسأل نفسي: ماذا ينبغي أن أفعل؟ أيّ واحدة من هذه الكنائس كلّها على حق؟ أم هل هي كلها على خطأ؟ وإن كانت إحداها على حق، فأيّها هي، وكيف يمكنني أن أعرف؟

(11) وبينما كنت أُصارع هذه الأسئلة، قرأتُ في أحد الأيام من رسالة يعقوب 1:5، حيث يقول: «إن كان أحدكم تنقصه الحكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعيّر، فستُعطى له».
(12) لم تؤثّر في قلبي آية من الكتاب المقدّس كما أثّرت هذه الآية في ذلك الوقت. فقد بدا لي أنها نفذت إلى كل جزء من نفسي. كنت أفكّر فيها مرارًا وتكرارًا، مدركًا أنه إن كان أحد يحتاج إلى الحكمة من الله، فهو أنا. لم أكن أعرف كيف أتصرف، ومن دون حكمة أعظم مما أملك، لم يكن بإمكاني أن أعرف الطريق. وكان وعّاظ الكنائس المختلفة يفهمون الآيات نفسها بطرق متباينة جدًا، حتى فقدت الثقة في محاولة حسم هذا الأمر بالاعتماد على الكتاب المقدّس وحده.
(13) وفي النهاية خلصتُ إلى أنه لا بدّ لي إمّا أن أبقى في حالة من الارتباك، أو أن أعمل بما أوصى به يعقوب، أي أن أطلب من الله. لذلك قرّرت أن أسأل الله، واثقًا أنه بما أنه يعطي الحكمة بسخاء ودون تعيير، فيمكنني أن أفعل ذلك.
(14) وبناءً على هذا القرار، ذهبتُ إلى الغابة لأصلّي. كان صباحًا جميلًا وصافيًا في أوائل ربيع سنة 1820. وكانت هذه أوّل مرة في حياتي أحاول فيها أن أصلّي بصوت مسموع، إذ رغم كل همومي لم أكن قد فعلت ذلك من قبل.
(15) وبعد أن وصلتُ إلى المكان الذي اخترته وتأكدتُ أنني وحدي، ركعتُ وبدأتُ أصلّي إلى الله، معبّرًا عمّا في قلبي. وفجأة تقريبًا غلبتني قوة شديدة عطّلتني تمامًا ومنعتني من الكلام. وأحاط بي ظلام كثيف، وشعرتُ لبرهة كأنني على وشك الهلاك.
(16) وباستخدام كل ما لديّ من قوة لأدعو الله أن ينقذني من هذا العدو غير المنظور، وفي اللحظة التي شعرتُ فيها أنني على وشك الاستسلام يأسًا، لا لشيءٍ متخيَّل بل لقوة كائن حقيقي لم أشعر بمثله من قبل، رأيتُ عمودًا من نور فوقي مباشرة، أشدَّ لمعانًا من الشمس. وكان ينزل ببطء حتى استقرّ عليّ.

(17) وما إن ظهر النور حتى تحرّرتُ من القوة التي كانت تُمسكني. وعندما استقرّ النور عليّ، رأيتُ شخصين قائمين فوقي في الهواء، لا يمكن وصف بهائهما ومجدهما. فتكلّم أحدهما إليّ، وناداني باسمي، وقال وهو يشير إلى الآخر: «هذا هو ابني الحبيب. له اسمع!»
(18) كان هدفي من سؤالي للرب أن أعرف أيّ الكنائس كلّها على حق، لكي أعرف أيّها أنضمّ إليه. وما إن استطعتُ أن أتكلّم، حتى سألتُ الشخصين اللذين كانا واقفين فوقي في النور: أيّ الكنائس على حق، وأيّها ينبغي لي أن أنضمّ إليه، إذ لم يخطر ببالي قطّ أن تكون جميعها على خطأ.
(19) وقيل لي إنني لا ينبغي أن أنضمّ إلى أيٍّ منها، لأنّها جميعًا على خطأ. وقال لي الشخص الذي تكلّم إن جميع عقائدهم مرفوضة في نظره، وإن وعّاظهم فاسدون، وأنهم «يقتربون إليّ بشفاههم، أمّا قلوبهم فبعيدة عنّي؛ ويعلّمون وصايا بشرية على أنها عقيدة، ولهم صورة التقوى لكنهم ينكرون قوّتها».
(20) وكرّر عليّ مرة أخرى ألا أنضمّ إلى أيٍّ منها، وقال لي أمورًا كثيرة أخرى لا أستطيع كتابتها في هذا الوقت. وعندما عدتُ إلى وعيي، وجدتُ نفسي ممدّدًا على ظهري أنظر إلى السماء. وبعد أن اختفى النور، لم تكن لديّ أيّ قوّة. ولما استعدتُ بعض عافيتي، عدتُ إلى البيت. وبينما كنتُ أتكئ على الموقد، سألتني والدتي عمّا بي، فأجبتها: «لا بأس، كلّ شيء على ما يرام، أنا بخير». ثم قلتُ لها: «لقد تعلّمتُ بنفسي أن المذهب المشيخي غير صحيح». وقد بدا لي أن الخصم كان يعلم في وقت مبكّر جدًا من حياتي أنني مُعيَّن لإزعاج مملكته. وإلّا، فلماذا تتّحد قوى الظلام ضدي في وقت مبكّر إلى هذا الحد؟ ولماذا نشأت عليّ معارضة واضطهاد منذ طفولتي تقريبًا؟
يرفض بعض الوعّاظ وغيرهم من المتديّنين رواية الرؤيا الأولى. ويتعرّض جوزيف سميث للاضطهاد بكثرة. وهو يشهد بحقيقة هذه الرؤيا وواقعيتها. (الآيات 21–26).
(21) وبعد بضعة أيّام من حدوث هذه الرؤيا، كنتُ مع أحد الوعّاظ الميثوديين الذين كانوا نشطين جدًا في الحماس الديني الذي ذكرتُه. وأثناء حديثنا عن الدين، انتهزتُ الفرصة لأخبره عن الرؤيا التي نلتُها. فدهشتُ كثيرًا من ردّ فعله؛ إذ تعامل مع كلامي باستخفاف وازدراء شديدين، وقال إن ذلك كلّه من الشيطان. وأضاف أنه لا وجود لرؤى أو إعلانات في زماننا هذا، وأن مثل هذه الأمور انتهت مع الرسل، ولن يكون لها وجود بعد الآن.
(22) وسرعان ما اكتشفتُ أن روايتي لقصة رؤياي أثارت قدرًا كبيرًا من التحامل ضدي بين المعلّمين الدينيين، وأدّت إلى اضطهاد شديد أخذ يزداد يومًا بعد يوم. ومع أنني كنتُ فتىً مجهولًا، لا يتجاوز عمري ما بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة، وكانت ظروفي في الحياة تجعلني قليل الشأن في نظر العالم، فإن أشخاصًا ذوي نفوذ أخذوا يلتفتون إليّ. فحرّكوا مشاعر الناس ضدي، وأسهموا في إثارة اضطهاد مرير. وكان هذا أمرًا شائعًا بين جميع الكنائس، إذ اتحدوا معًا في معارضتي.
(23) في ذلك الوقت، وكثيرًا ما بعده، كنتُ أتأمّل في مدى غرابة أن يُعَدّ فتىً مجهول، يزيد عمره قليلًا على أربع عشرة سنة، وكان يضطرّ إلى كسب رزقه المتواضع بالعمل اليومي، ذا شأنٍ يكفي ليجذب انتباه قادة أكثر كنائس ذلك العصر انتشارًا، وبطريقة أثارت ضدي اضطهادًا وسخرية شديدين. وسواء بدا ذلك غريبًا أم لا، فهذا ما حدث بالفعل، وكان يسبّب لي في أحيان كثيرة حزنًا عميقًا.

(24) ومع ذلك، بقيت الحقيقة أنّني قد رأيتُ رؤيا. وكثيرًا ما شعرتُ أن حالي يشبه حال بولس عندما دافع عن نفسه أمام الملك أغريباس، وروى الرؤيا التي رأى فيها نورًا وسمع صوتًا. فقد قلّ من صدّقه؛ إذ قال بعضهم إنه غير صادق، وقال آخرون إنه مجنون، وتعرّض للسخرية والاستهزاء. غير أنّ شيئًا من ذلك لم يغيّر حقيقة رؤياه. لقد رآها، وكان يعلم أنه رآها، ولم يكن أيّ اضطهاد على الأرض قادرًا على تغيير ذلك. وحتى لو تعرّض للاضطهاد حتى الموت، فقد كان يعلم، وسيظلّ يعلم إلى آخر نَفَسٍ له، أنه رأى نورًا وسمع صوتًا، ولم يكن أحد يستطيع إقناعه بغير ذلك.

(25) وهكذا كان الأمر معي. لقد رأيتُ حقًا نورًا، وداخل ذلك النور رأيتُ شخصين، وقد كلّماني فعلًا. ومع أنني كُرهتُ واضطُهدتُ بسبب قولي إنني رأيتُ رؤيا، فإن ذلك ظلّ حقًا. وبينما كان الناس يضطهدونني، ويسخرون مني، ويقولون عني كل أنواع الشرّ زورًا بسبب هذا القول، كنتُ أقول في قلبي: لماذا يضطهدونني لأني أقول الحق؟ لقد رأيتُ رؤيا حقًا. فمن أنا حتى أقاوم الله؟ ولماذا يتوقّع العالم مني أن أُنكر ما رأيتُه فعلًا؟ كنتُ أعلم أنني قد رأيتُها، وكنتُ أعلم أن الله يعلم ذلك. ولم أستطع أن أنكرها، ولم أجرؤ على إنكارها، لأنني كنتُ أعلم أن إنكارها سيُغضب الله ويجلب عليّ الدينونة.
(26) وفي ذلك الوقت كان ذهني قد اطمأنّ فيما يتعلّق بالعالم الديني. فقد فهمتُ أن واجبي هو ألّا أنضمّ إلى أيٍّ من الكنائس، بل أن أبقى على حالي إلى أن أتلقّى توجيهًا آخر. وقد تعلّمتُ أن وعد يعقوب صادق: أن الإنسان إذا كان تنقصه الحكمة، فله أن يطلبها من الله، فينالها دون أن يُوبَّخ.
يظهر موروني لجوزيف سميث. وسيُعرَف اسم جوزيف للخير والشرّ بين جميع الأمم. ويخبره موروني عن كتاب مورمون وعن الدينونات الآتية من الربّ، ويقتبس آيات كثيرة من الكتب المقدّسة. ويكشف له موضع الألواح الذهبية. ويواصل موروني تعليم النبي وإرشاده. (الآيات 27–54).
(27) واصلتُ عملي المعتاد ومسؤولياتي اليومية إلى يوم 21 سبتمبر 1823. وخلال هذه الفترة كلّها تعرّضتُ لاضطهاد شديد من مختلف الناس، المتديّنين وغير المتديّنين، لأنني كنتُ أستمرّ في القول إنني قد رأيتُ رؤيا.
(28) وخلال الفترة بين رؤياي وسنة 1823، مُنِعتُ من الانضمام إلى أيٍّ من الكنائس. وكنتُ صغير السنّ جدًا، وتعرّضتُ للاضطهاد من أناس كان ينبغي أن يكونوا أصدقائي وأن يعاملوني بلطف. ولو كانوا يظنّون أنني مخطئ، لكان الأَولى أن يحاولوا تصحيحي بطريقة لائقة ومحبّة. لكن بدلًا من ذلك، تعرّضتُ لكثير من التجارب، ومع اختلاطي بأنواع مختلفة من الناس كنتُ أرتكب أحيانًا أخطاءً طائشة، وأُظهر ضعف الشباب والطبيعة البشرية، وأقول ذلك مع الأسف لأن هذا قادني إلى تجارب مختلفة لم تكن مرضيّة لله. ومع قولي هذا، لا ينبغي لأحد أن يظنّ أنني ارتكبتُ خطايا جسيمة أو مؤذية، فلم أكن ميّالًا إلى مثل هذا السلوك، لكنني كنتُ مذنبًا بعدم الوقار أحيانًا، وكنتُ أختلط ببعض الأشخاص المستهترين والمشاكسين، وهو أمر لا ينسجم مع السلوك المتوقَّع ممّن دُعي من الله، ولا ينبغي أن يبدو هذا غريبًا على من يتذكّر صِغَر سنّي ويعرف شخصيّتي.
(29) وبسبب هذه الأمور، كنتُ كثيرًا ما أشعر باللوم على ضعفي ونقائصي. وفي مساء يوم 21 سبتمبر، وبعد أن خلدتُ إلى الفراش لتلك الليلة، توجّهتُ إلى الصلاة وطلبتُ من الله القدير أن يغفر لي خطاياي وسلوكي الطائش. كما صلّيتُ طالبًا إعلانًا، لكي أعرف موقفي لديه. وكان لديّ يقين كامل بأنني سأتلقّى جوابًا إلهيًا، كما حدث معي من قبل.

(30) وبينما كنتُ أصلّي، لاحظتُ نورًا يظهر في غرفتي. واستمرّ في الازدياد حتى صارت الغرفة أشدَّ إضاءةً من ضوء النهار. وفي تلك اللحظة ظهر شخص بجانب سريري، واقفًا في الهواء، إذ لم تكن قدماه تلمسان الأرض.
(31) كان يرتدي ثوبًا واسعًا أبيضَ شديدَ اللمعان. وكان هذا البياض يفوق كلّ ما رأيته في حياتي على الأرض، ولا أظنّ أن شيئًا أرضيًا يمكن أن يُصنَع بهذه الدرجة من الصفاء والبياض. وكانت يداه عاريتين، وكذلك ذراعاه فوق المعصمين. وكانت قدماه وساقاه أيضًا عاريتين فوق الكعبين. وكان رأسه وعنقه مكشوفين. وكنتُ أرى أنه لا يرتدي لباسًا آخر غير هذا الثوب، الذي كان مفتوحًا بحيث أستطيع أن أرى صدره.
(32) ولم يكن ثوبه شديد البياض فحسب، بل إن مظهره كلّه كان مهيبًا يفوق الوصف، وكان وجهه يلمع كالبَرْق. وكانت الغرفة مملوءة نورًا، لكنّه لم يكن بسطوع النور الذي كان يحيط به. وعندما رأيته أوّل مرة شعرتُ بالخوف، لكن هذا الخوف زال عنّي سريعًا.
(33) ودعاني الشخص باسمي، وأنبأني بأنه رسول أرسل إلى من حضرة الله، وأن اسمه موروني. وأفضى إلى بأن الله قد أعد لي مهمة يجب إنجازها، وأن جميع الأمم والأقوام والألسنة ستتداول اسمي بالخير والشر، أو بمعنى آخر أن الشر والخير سينسبان إلى اسمي بين جميع الناس.
(34) وأخبرني بوجود كتاب منقوش على صفائح ذهبية، وقال إن هذا الكتاب يروي تاريخ السكان القدماء للقارة الأمريكية ويوضح أصلهم. كما قال إن الكتاب يحتوي على ملء الإنجيل الأبدي الذي علمه المخلص لهؤلاء السكان القدماء ؛
(35) وأنبأني أيضاً بأنه يوجد مع الكتاب حجران في قوسين من الفضة، وأن هذين الحجرين مثبتان في صدره ويعرفان بالأوريم والتميم وإذا اقتنى إنسان هذين الحجرين واستخدامهما فإنه كان يعرف باسم ” الرائي” في القدم ؛ وقال إن الله قد أعدهما لترجمة الكتاب.
(36) وبعد أن أطلعني على هذه الأمور جميعاً، جعل يتلو علي نبوات العهد القديم، واستهل ذلك بتلاوة جزء من الإصحاح الثالث من سفر ملاخي، كما تلا علي الإصحاح الرابع أو الأخير من نفس النبوة، وإن كان النص الذي اقتبسه يختلف عن النص المدون في الكتاب المقدس بعض الاختلاف. ذلك أنه بدلاً من أن يتلو الآية الأولى على نحو ما جاء في الكتاب المقدس، تلاها على النحو الآتي:
(37) ” فهوذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يحترقون كالقش، إذ يحرقهم القادمون قال رب الجنود، فلا يبقى لهم أصلاً ولا فرعاً.”
(38) وأورد الآية الخامسة على النحو التالي ” هانذا أطلعكم على الكهنوت على يد إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم والمخوف.”
(39) كذلك اقتبس الآية التي تعقبها في صيغة جديدة: ” ويزرع في قلوب الأبناء الوعد الذي أعطي للآباء فتتحول قلوب الأبناء إلى آبائهم. ولولا ذلك لفنيت الأرض وبادت عند مجيئه. “
(40) وأضاف إلى ما تلاه الإصحاح الحادي عشر من سفر إشعياء، معلناً إلى أن ما جاء فيه على وشك أن يتم. ومن الإصحاح الثالث من سفر أعمال الرسل تلا الآية الثانية والعشرين والآية الثالثة والعشرين فلم تختلف تلاوته عن النص المدون في العهد الجديد قليلاً ولا كثيراً وقال إن النبي الذي تذكره الآيتان هو المسيح، ولكن اليوم لم يأت بعد حين ” يكون أن كل نفس لا تسمع له تباد من الشعب ” على أن ذلك اليوم قريب.
(41) وتلا عليّ أيضا الإصحاح الثاني من سفر يوئيل مبتدئاً بالآية الثامنة والعشرين ومختتماً بالآية الأخيرة. ونبهني إلى أن هذه النبوة لما تتم، ولكنها مزمعة أن تتحقق. كذلك أعلن أنه عن قريب يدخل ملء الأمم. وأورد غير هذه نصوصاً كثيرة من الأسفار المقدسة , وعقب عليها بشروح شتا لا يسعني ذكرها في هذا المجال.
(42) وعاد ونهني عن إظهار الصفائح التي ذكرها لأحد متى صارت في حوزتي، إذ لم يكن الوقت قد حان بعد للحصول عليها. كذلك نهاني عن إظهار الصدرة التي تحمل الأوريم والتميم لأحد إلا للذين يأمرني الله أن أريهم إياها ؛ وأنذرني أنه إن أطلعت عليها غير أولئك فإني هالك. وأثناء حديثه معي بشأن الصفائح إذ انكشفت لي رؤيا جعلتني قادراً على رؤية مكان الصفائح , وكانت الرؤيا من الدقة والوضوح بحيث أني تعرفت على الموضع عندما زرته.
(43) وعلى أثر هذا الحديث، رأيت النور المنتشر في الغرفة يتجمع ويلتئم حول محدثي. وظل النور يتضاءل وينكمش حتى عاد الظلام إلى الغرفة كلها إلا ما يحيط بالشخص مباشرة. ولم ألبث أن رأيت نفقاً، أو ما يشبه النفق، قد امتد إلى السماء وأخذ الشخص يصعد في النفق حتى توارى عن نظري تماماً وعادت الغرفة إلى ما كانت عليه قبل أن يلوح ذلك النور السماوي.
(44) ومضيت أتأمل في رقدتي غرابة المنظر وتعجبت كل العجب بما أخبرني به ذلك الرسول الفريد. وفيما كنت أتأمل في هذه الأمور، رأيت فجأة أن النور اخذ يغمر الغرفة من جديد وفي لحظة عابرة عاد نفس الرسول السماوي إلى مكانه بالقرب من فراشي.
(45) وقد كرر ما قاله في زيارته الأولى بدون أدنى تغيير، وبعد ذلك أفضى إلي بأن الأرض ستعاني بمحن عسيرة تؤدي إلى الهلاك بالمجاعات والسيف والأوبئة؛ وأن هذه المحن المنكرة ستصيب الأرض في هذا الجيل. وبعد أن أنهى كلامه بخصوص هذه الأمور صعد كما فعل من قبل.
(46) وبسبب تأثير هذه الأمور على ذهني طار النوم عن عيني ورقدت مدهوشا مما رأيت وسمعت لكن ما أعظم دهشتي حين عدت ورأيت نفس الرسول بالقرب من فراشي، وسمعته يكرر على مسمعي ما قاله من قبل ؛ ويضيف إليه إنذاراً لي: أن إبليس سيعمل على إغرائي ( بسبب فقر أسرة أبي) بأن أحصل على الصفائح طمعاً في الغنى. ونهاني الرسول عن ذلك، وأمرني بألا تتجاوز غايتي من الحصول على الصفائح تمجيد الله، وألا أكون متأثراً بأي دافع سوى تشييد مملكته ؛ وألا فلن احصل عليها.
(47) وعقب هذه الزيارة الثالثة صعد إلى السماء كما فعل من قبل وتركني أفكر مرة أخرى في غرابة ما مر بي ولم يكد الرسول السماوي يمضي عني للمرة الثالثة حتى صاح الديك ووجدت أن النهار على وشك الظهور فاستنتجت أن الزيارات قد استغرقت تلك الليلة كلها.
(48) وبعد مدة قصيرة نهضتُ من فراشي، وانصرفتُ كالعادة إلى الأعمال اليومية الضرورية ؛ ولكني حين أقدمتُ على العمل وجدتُ نفسي منهوك القوى كأني عاجز تمامًا. أما أبي، الذي كان يكدُّ معي، فقد لاحظ أن بي علة، فأمرني بالعودة إلى المنزل. وفعلاً بدأتُ في التوجه إلى المنزل ؛ ولكن قواي خارتْ حين حاولتُ اجتياز السياج والخروج من الحقل حيث كنا، فارتميت على الأرض متهالكًا متخاذلاً، وقضيتُ فترة من الزمن فاقد الوعي لا أشعر بشيء.
(49) وأذكر أن أول ما تنبهتُ إليه حين عاد إليَّ رشدي كان صوتًا يحدثني مناديًا إياي باسمي. فرفعتُ نظري ورأيتُ نفس الرسول ماثلاً في الفضاء فوق رأسي متسربلاً بالنور كما كان من قبلُ. وكرر على مسمعي جميع ما أنهاه إليَّ في الليلة السابقة، وأمرني بأن أذهب إلى أبي وأن أُطْلَعهُ على أمر الرؤيا والوصايا التي تسلمتهُا.
(50) فأطعتُ الأمر، وعدتُ إلى أبي في الحقل، وأفضيتُ إليه بالأمر كله. وأجابني أبي قائلاً إن ما جاءني إنما هو من الله، وأمرني أن أنقَّذ ما أمرني به الرسول. غادرتُ الحقل، وقصدتُ إلى المكان حيث كانت الصفائح كما ذكر الرسول. وما أن بلغت المكان حتى عرفْتُهُ إذ كانت الرؤيا التي شاهدت فيها المكان واضحةً جليةً.
(51) وبالقرب من قرية مانشستر التابعة لمقاطعة أونتاريو بولاية نيويورك يقع تلٌّ عظيم يفوق جميع التلال المجاورة شموخًا وارتفاعًا.وفي الجهة الغربية من هذا التل على مقربة من القمة كانت الصفائح في صندوق من الحجر وقد استقرت تحت صخرة ضخمة. وكانت تلك الصخرة في أعلاها عند الوسط مُقَوًّسة وسميكة، وكان سمكها يتناقص قربَ الأطراف. لذلك كان وسطها بارزًا ظاهرًا فوق سطح الأرض ؛ أما أطرافها فكانت مغطاةً بالتراب.
(52) وبعد إزالة التراب من حول الصخرة، جئت بسارية فاتخذتُ منها رافعة ثبَّتُّها تحت أحد الأطراف، وضغطتُ على السارية ضغطًا خفيفًا فارتفعت الصخرة من مكانها. ونظرتُ داخل الصندوق فإذا الرسول على حق فيما قال،وإذا بي أشاهد الصفائح و الأوريم والتميم والصدرة. وكان الصندوق الذي يحويها قد شُكَّلَ من أحجار رُصَّتْ في نوع من الملاط. وكان في قاع الصندوق حجران متقاطعان استقرت عليهما الصفائح والأشياء الأخرى معها.
(53) وعندما حاولتُ إخراجها منعني الرسول عن ذلك، وذكَّرني بأن وقت إخراجها لم يكن قد حان بعدُ، وما كان له أن يحين حتى تنقضي أربع سنوات من ذلك اليوم ؛ لكنه أمرني بالعودة إلى ذلك المكان في نفس اليوم من العام التالي بالضبط ووعدني بأني يلقاني هناك ؛وأوصاني بأن أواظب على الرجوع كل عام حتى يحين وقت حصولي على الصفائح.
(54) وطبقًا لذلك صرتُ أذهب إلى ذلك الموضع كلما انقضى عام كما أوصاني الرسول، وكنت كلما ذهبتُ أجد نفس الرسول هناك، فأحظى منه في كل مقابلة بتوجيهات ومعلومات تتعلق بما ينوي الرب أن يفعله،وبالطريقة التي سيدير بها الرب مملكته في الأيام الأخيرة.
يتزوّج جوزيف سميث من إيما هيل. ويتسلّم الألواح الذهبية من موروني ويترجم بعض الرموز. ويعرض مارتن هاريس الرموز والترجمة على البروفيسور أنثون، الذي يقول: «لا أستطيع أن أقرأ كتابًا مختومًا». (الآيات 55–65).
(55) ولما كان حظ أبي من الرزق ضئيلاً، فقد اضطرِرْنا إلى العمل اليدوي، وكنا نعمل كأُجراء باليومية كلما تُتاح لنا الظروف. وكنا نعمل في منطقتنا حينًا وخارجها حينًا آخر، وبالعمل المتَّصل أُتيحَ لنا شيء من الرخاء.
(56) وفي عام 1823 أصيبت عائلة أبي ببلوى بوفاة شقيقي الأكبر ألفين. وفي شهر أكتوبر من عام 1825 كنت أجيراً عند شيخ يدعى جو زايا ستول من أهالي مقاطعة شينانجو بولاية نيويورك. وقد سمع عن منجم فضة اكتشفه الأسبان في مدينة هارموني بمقاطعة سسكويهنا بولاية بنسلفانيا ؛ وكان يحفر قبل توظيفي لكي يكشف المنجم، إن أمكن. وبعد ذهابي للمعيشة معه أخذني مع عماله الآخرين للتفتيش عن منجم الفضة. فاستمررت في العمل ما يقرب من شهر بلا نجاح في محاولتنا. وأخيراً أقنعت الرجل بأن يتوقف عن الحفر. ومن هنا انتشرت القصة الشائعة بأني صائد كنوز.
(57) وكنت أثناء خدمتي هذه أقيم في بيت رجل يدعى أيزاك هيل من أهالي مدينة هارموني التابعة لمقاطعة سسكوهنا بولاية بنسلفانيا. وهناك التقيت للمرة الأولى بزوجتي أيما هيل ( وهي ابنة السيد أيزاك هيل). وقد تزوّجنا في الثامن عشر من يناير عام 1827 وأنا بعد أجير للسيد ستول.
(58) ونتيجة لاستمراري في التأكيد بأني قد رأيت رؤيا، تابعني الاضطهاد، وعارضت عائلة والد زوجتي معارضة شديدة لزواجنا وعلى ذلك كنت مضطراً أن آخذها إلى مكان آخر ؛ فذهبنا وتزوجنا في منزل سكواير تاربيل في مدينة ساوث بينبريدج في مقاطعة شينانجو بولاية نيويورك. وعقب زواجي مباشرة انقطعت عن العمل عند السيد ستول، وعدت إلى والدي فقضينا ذلك الموسم نفلح الأرض معاً.
(59) وأخيراً حان موعد الحصول على الصفائح و الأوريم والتميم والصدرة. ذلك أني في اليوم الثاني والعشرين من شهر سبتمبر عام 1827 قصدت كعادتي في نهاية عام آخر إلى حيث كانت الصفائح مودعة، فسلمها لي نفس الرسول موصياً إياي بأن أكون مسئولاً عنها حريصاً عليها، منذراً إياي بأني سُأقطع إذا قصرت فيها أو أهملتها ؛ ولكن إذا شملتها بكامل عنايتي ولم أدخر جهداً في حمايتها حتى يستردها مني، فإنها سُتحفظ
(60) ولم ألبث أن تبينت علة ذلك التشدد الصارم فيما صدر إلي من أمر بحمايتها، وسبب تصريح الرسول بأنه سيستردها متى قمت بالمطلوب مني. ذلك أنة لم يكد يشاع أنها في حوزتي حتى بذل البعض أعظم الجهود لأخذها مني، وسعوا وراء هذه الغاية بكل ما خطر على بالهم من الوسائل والحيل. وأصبح الاضطهاد اشد قسوة وبشاعة مما كان ؛ واخذ الكثيرون يتحينون الفرص في غير كلل أو ملل ليسلبوني إياها إذا أتيح لهم ذلك. ولكنها بحكمة الله ظلت بين يدي في أمان حتى أكملت بواسطتها ما كلفت به من مهمة. ولما طلبها الرسول بمقتضى الاتفاق سلمتها إليه ؛ وهي مازالت في عهدته حتى اليوم، أي اليوم الثاني من شهر مايو عام 1838.
(61) غير أن الضجة تواصلت، وانطلقت الإشاعات في غير رؤية ولا فهم ولا انقطاع تذيع الأكاذيب عن أسرة أبي وعني. ولو أني سجلت أكذوبة من كل ألف لامتلأت بها أسفار. أما الاضطهاد فقد بلغ من العنف ما اضطرني إلى الرحيل عن مانشستر، واصطحاب زوجتي إلى مقاطعة سسكوهنا بولاية بنسلفانيا. وحين هممنا بالرحيل (وليذكر القاري إننا كنا فقراء جدا وليذكر أيضاً أن الاضطهاد كان من العنف والإلحاح بحيث انمحى كل أمل في أن يتبدل عسرناً يسراً) تكشفت محنتنا عن صديق يدعى مارتن هاريس، أقبل علينا فمنحني خمسين دولاراً لنستعين بها في رحلتنا. كان السيد هاريس من أهالي بالمايرا تاونشيب التابعة لمقاطعة وين بولاية نيويورك، وكان مزارعاً محترماً موقراً.

(62) جاءت هذه النجدة في أوانها فاتاحت لي بلوغ غايتي من ولاية بنسلفانيا. ولم أكد أبلغها حتى شرعت في نقل الحروف عن الألواح. نقلت عدداً كبيراً من تلك الحروف، وترجمت بعضها مستعيناً بالأوريم والتميم. وقد تم لي ذلك ما بين شهر ديسمبر الذي بلغت فيه منزل حماي وشهر فبراير من العام التالي.
(63) وخلال شهر فبراير ذاك، أقبل علينا السيد مارتن هاريس الذي مر ذكره، فاخذ من الحروف ما نقلته عن الألواح، ومضى به إلى مدينة نيويورك. أما ما كان من أمره ومن أمر الحروف فإني سأروي لكم بشأنه ما رواه لي بنفسه بعد عودته، وهو ما يلي:
(64) قصدتُ إلى مدينة نيويورك وعرضت الحروف التي ترجمت وترجمتها على الأستاذ تشارلز آنثون وهو رجل عرف بمآثره الأدبية. وقد صرح الأستاذ آنثون بأن الترجمة دقيقة، وأنها أدق ما رآه من ترجمة عن اللغة المصرية القديمة. ثم عرضت عليه ما لم يكن قد ترجم من الحروف، فأخبرني بأنها تتألف من حروف مصرية قديمة وحروف كلدانية وحروف آشورية وحروف عربية. وقد صرح بأنها فعلاً حروف هجائية، وحرر لي شهادة تؤكد لأهالي بالمايرا أنها فعلاً حروف هجائية، وأن ترجمة ما قد ترجم منها دقيقة. وأخذت الشهادة ووضعتُها في جيبي، و هممت بمغادرة المنزل فإذا بالسيد آنثون يستبقيني ويسألني كيف عرف الصبي أن الألواح الذهبية كانت حيث وجدها، فأجبته بأن ملاك الله أطلع الصبي على ذلك.
(65) وعندئذ قال لي: أعطني الشهادة. فأخرجتُ الشهادة من جيبي وناولته إياها، فأخذها ومزقها إرباً وهو ينكر أن يكون لخدمة الملائكة وجود في هذا العصر، ويعدني بترجمة الألواح إذا حملتها إليه. أخبرته بأن عدداً من الألواح مختوم، وأن إحضار هذه الألواح المختومة محظور عليّ، فأجابني قائلاً: ما أنا بقادر على قراءة كتاب مختوم. فتركتُه وذهبتُ إلى الدكتور يُدعى ميتشل، فأقر ما قاله الأستاذ آنثون بشأن الحروف والترجمة جميعاً
……………………………………………………………………….
يخدم أوليفر كاودري ككاتب في ترجمة كتاب مورمون – جوزف وأوليفر يتسلمان الكهنوت الهاروني من يوحنا المعمدان – يعمدان ويرسمان بعضهما البعض ويتسلمان روح النبوة. ( الآيات 66-75.)
(66) وفي اليوم الخامس من شهر أبريل عام 1829 أقبل أوليفر كاودري على منزلي، ولم تكن عيناي قد وقعتاً عليه حتى ذلك الحين. وقد أنبأني بأنه أقام حيناً في منزل والدي، لأنه كان يعلم في مدرسة بالحي الذي كان والدي يقطنه، ولأن والدي كان ممن يرسلون أبناءهم إلى تلك المدرسة. وأثناء إقامته هناك روت عليه الأسرة ما كان من حصولي على الألواح، فأتى يستطلعني حقيقة الأمر.
(67) وبعد مرور يومين على وصول السيد كاودري ( أي في اليوم السابع من شهر أبريل) شرعت في ترجمة ” كتاب مورمون” وكان هو يكتب ما كنت أمليه عليه.
……………………………………………………………………….
(68) لم نكن قد فرغنا من الترجمة حين سعينا ذات يوم من أيام الشهر التالي (أي مايو من عام 1829) إلى غابة لنصلي ولنستطلع إرادة الرب عما صادفنا أثناء ترجمة الألواح بخصوص المعمودية لمغفرة الخطايا. وبينما كنا منصرفين إلى الصلاة ودعاء الرب إذ هبط علينا رسول من السماء في سحابة من نور، فوضع يديه علينا ورسمنا قائلاً:

(69) يا أخوي الخادمين، باسم المسيح أمنحكما كهنوت هارون الذي يحمل مفاتيح خدمة الملائكة وإنجيل التوبة والمعمودية بالتغطيس لمغفرة الخطايا ؛ وهذا الكهنوت لن يُنزَع من الأرض ثانيةً حتى يقدم بنو لاوي ثانيةً تقدمة للرب في بر.
(70) وقال إن كهنوت هارون ذاك لا يتضمن سلطة منح الروح القدس بوضع الأيدي، ولكن تلك السلطة ستُمنَح لنا فيما بعد، وأمرنا أن نمضي فنعتمد، وأمرني أن أعمّد أوليفر كاودري، وأمره بأن يعمدني بالمثل.
(71) وبناء على ذلك ذهبنا واعتمدنا: عمدته أولاً، ثم عمدني. فلما تم لنا ذلك وضعت يديّ على رأسه ورسمته لكهنوت هارون، ثم وضع يديه علي ورسمني للكهنوت ذاته، وهذا ما أُمِرنا به.
(72) وقد أنبأنا الرسول الذي ظهر لنا عند ذاك ووهبنا هذا الكهنوت بأن اسمه يوحنا، وأنه من يعرف في العهد الجديد بيوحنا المعمدان. وافهمنا أنه فعل ما فعل تنفيذا لأمر بطرس ويعقوب ويوحنا الذين بيدهم مفاتيح كهنوت ملكي صادق، وأنبأنا بأننا سنحصل على ذلك الكهنوت متى آن الأوان لذلك، وأوصى بأن أدعى حينذاك شيخ الكنيسة الأول وأن يدعى أوليفر كاودري الشيخ الثاني. وكان اليوم الذي فيه رسمنا بيد ذلك الرسول والذي فيه اعتمدنا هو اليوم الخامس عشر من شهر مايو عام 1829.

(73) ولم نكد نخرج من الماء بعد أن اعتمدنا حتى ظفرنا من أبينا السماوي ببركة عظيمة ونعمة واسعة. وما إن عمدت أوليفر كاودري حتى حلّ عليه الروح القدس ، فنهض وتنبأ بأمور كثيرة وشيكة الحدوث. كذلك لم يكد يعمدني حتى حل علي أنا أيضاً روح النبوة، فنهضت متنبئا بنشأة هذه الكنيسة وأمور أخرى كثيرة تتعلق بالكنيسة وبهذا الجيل من أبناء البشر. وامتلأنا بالروح القدس وابتهجت نفوسنا بإله خلاصنا.
(74) واستنارت أذهاننا فأخذت الأسفار المقدسة تتضح لأفهامنا، وكُشِفَت لنا معانيها الحقيقية ومراميها الخفية وهو ما لم نكن لنظفر به أو نطمع فيه قط قبل ذلك. غير أننا اضطررنا إلى إخفاء ما كان من حصولنا على الكهنوت ومن اعتمادنا، إذ كان روح الاضطهاد قد انبعث من حولنا.
(75) وكانت الغوغاء بين الحين والحين تُوشِك أن تثور علينا وتهلكنا. كذلك كنا في خطر من أن نتعرض للفناء على أيدي أساتذة الدين. ولم يكن يحول بينهم وبين ما يريدون (وهو إبادتنا) إلا نفوذ أسرة والد زوجتي (وذلك برعاية إلهية). وكانت تلك الأسرة تختصني بالمودة وتؤثرني بالحب، كما كانت مناوئة للغوغاء، وكانت راغبة في أن يتاح لي أن أستمرّ في الترجمة بٍلا عوائق أو تقوم في سبيلي العقبات. لذلك عرضت علينا حمايتها وتعهدت بأن تكون لنا درعاً من كل إجراء يخالف القانون وينافي العدل ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
*وقد شرح أوليفر كاودري هذه الأمور التي حدثت هكذا: “كانت أيام لا تُنسى – كام كنتُ شاكراً أن أجلس واستمع لرنين صوت مُملَّى بإلهام السماء. مُوقِظاً أعظم مشاعر الامتنان بداخلي واستمررت يوماً بعد يوم بدون مقاطعة أكتب ما ينطق به فمه بينما يترجم التاريخ أو السجل المسمى ” كتاب مورمون ” بالأوريم والتميم. أو حسب ما قد يقوله النافيين ” المفسرين “ وأنني أشرح، حتى بكلمات قليلة، السَرد المثير الذي قدّمه مورمون وابنه الأمين موروني عن شعب ذات مرّة كان محبوبا ومُفَضَّلا من السماء هو ليس هدفي الحالي . وعلى ذلك، فسوف أؤجّل هذا الحديث إلى فترة مستقبلية. وكما ذكرتُ في المقدمة، سوف أركز مباشرة على بعض الأحداث المرتبطة تماماً بتأسيس هذه الكنيسة والتي قد تبعث السرور للألوف الذين تقدموا للأمام في وسط معايرة المتعصبين وافتراء المرائين، وقبلوا إنجيل المسيح. ليس هناك من بشر، بإمكانياتهم الذاتية يستطيعون ترجمة أو كتابة التوجيهات التي أُعطيت للنافيين من فم المخلص. وذلك بالشرح بالطريقة الدقيقة التي بها يجب على الناس بناء كنيسته — وخصوصاً عندما يكون الفساد قد نَشَرَ عدم اليقين بكل أشكاله ونظمه التي يمارسها الناس لكن، بدون الرغبة في إظهار استعداد القلب لأن يُدفَنوا في القبر المائي ” للإجابة بضمير حي بقيامة يسوع المسيح.”
وبعد كتابة ما سُرِدَ من خدمة المخلص لبقية ذرية يعقوب على هذه القارة، كان من السهل أن نرى، كما قال النبي، أن “الظلمة غطت الأرض والظلام غطى عقول الناس.” وبالتأمل أكثر ذلك الموضوع، كان من السهل أن نرى أيضاً أن في وسط النزاع والفوضى بخصوص الدين، فلا أحد كان له السلطة من الله ليؤدي طقوس الإنجيل. وقد يمكن أن يثار السؤال التالي: هل لدى الرجال الذين ينكرون مبدأ الوحي السلطة لتأدية الطقوس باسم المسيح؟ (وذلك مع أن “شهادة المسيح هي روح النبوة.” وعلى الرغم من أن الوحي المستمرّ، هو كان الأساس الذي بنى المسيح الدين الحقيقي عليه خلال كل أزمنة العالم، حينما كان لديه شعب مختار على الأرض.) وإذا كانت هذه الحقائق مخفيّة بعناية من قِبَل هؤلاء الذين ستتعرّض حرفتهم للخطر، إذا سمح لها أن تَظهر أمام الناس، فلم تكن مخفية بالنسبة لنا؛ وأصبحنا منتظرين فقط للوصية: ” قوموا وتعمّدوا!”
وتم تحقيق رغبتنا في المعمودية بعد فترة قصيرة. فإن الرب الذي هو كثير الرحمة والذي دائماً يستجيب للصلاة المستمرّة للمتواضع، بعد أن طلبناه بحرارة، ونحن مبتعدين عن الناس، رحمنا وأظهر لنا إرادته. وفجأة، وكأنه آتٍ من وسط الأبدية، قال صوت المخلص سلاماً لنفوسنا؛ وأثناء إزاحة الحجاب، نزل ملاك الله متسربلاً بالمجد وسلّم الرسالة المنتظرة ومفاتيح إنجيل التوبة. يا لها من بهجة يا له من أمراً عجيباً! يا لها من دهشة! فبينما كان العالم يتألم ومُشتّتاً – وبينما الملايين يتحسسون طريقهم مثل العُمي نحو الحائط – وبينما كان جميع الناس مسنودين على عدم اليقين، ككتلة عامة، رأت أعيننا وسمعت آذننا خلال منتصف النهار؛ أجل، وذلك في لمعان يفوق تألُق أشعة شمس شهر مايو، التي حينئذ نشرت بريقها على وجه الطبيعة! ثم صوته، وبالرغم من أنه كان خافتاً، اخترق أحشائَنا، وكلماته بددت كل خوف عندما قال: “أنا أخوكما في الخدمة.” لقد استمعنا ورأينا وتعجبنا! لقد كان صوت ملاك المجد! لقد كانت رسالة من العليّ! وبينما سمعنا وفرحنا عندما اضطرم حبه فى أرواحنا، وأصبحنا متسربلين برؤيا العلي، لم يَعُد مكان للشك! هربت الخرافة والخداع إلى الأبد!
ولكن يا أخي العزيز، تأملّ أيضا: يا له من فرح ملأ قلبينا، ويا لها من دهشة شعرنا بها بينما كنا منحنيين (ومن ذا الذي لا تنحني ركبته عند استلام مثل هذه البركة؟) ونحن نتسلم الكهنوت المقدس على يديه، فقال:” يا أخويّا الخادمين، باسم المسيح أمنحكما كهنوت هارون وسلطته؛ وهذا لن يُنزع من الأرض ثانية حتى يقدم بنو لاوي ثانية تقدمة للرب في بر.” لن أحاول شرح مشاعر قلبي لك، ولا الجمال والمجد اللذان أحاطا بنا في هذه المناسبة؛ ولكنك ستصدقني عندما أقول إن لا الأرض ولا البشر بفصاحة الزمان، يمكنهم الاقتراب من توصيل المعنى بشكل مثير وسامي مثل هذا الشخص المقدس! كلا! ولا لهذه الأرض أن تقدم الفرح أو تمنح السلام أو فهم الحكمة التي احتوت عليها كل جملة سُلمت بقوة الروح القدس! فيمكن للإنسان أن يخدع أخاه الإنسان، والخداع يلي الخداع، وأبناء الشرير يمكنهم إغراء السفهاء والجهلة حتى لا يتناول الكثيرون إلا الخرافة، وثمرة الخطأ تحمل في تيارها الشخص المخدوع إلى القبر؛ ولكن لمسة واحدة بإصبع حبه، أجل، شعاع واحد من العالم العلوي، أو كلمة واحدة من فم المخلص، من صدر الأبدية، تبددها كلها إلى ما هو فناء، وتمحوها من العقل إلى الأبد. إن التأكد بأننا كنا في حضرة ملاك، والتأكد من سماع صوت يسوع، والحقيقة الطاهرة التي نبعت من شخص طاهر، بإرادة الله، هذا كله يفوق الوصف، وسوف أظل أتطلع إلى هذا التعبير عن المحبة من المخلص بدهشة وشكر طالما يسمح لي أن أبقي؛ وأيضا في تلك المنازل حيث يسكن الكمال ولا تدخلها الخطية، أرجو أن أظلّ أعبد في ذلك اليوم الذي لن يندثر.
( من مجلة ” messenger and advocate” الجزء الأول أكتوبر، 1834، الصفحات 14-16.)
